ابن عطاء الله السكندري

89

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وشأن المجذوبين الاستدلال به على الأشياء ، وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا رأينا اللّه قبله . ولا شك أن الدليل أبدا أظهر من المدلول . فأما ما ظهر للسالكين من الآثار ، وهي الأفعال ، فاستدلوا بها على الأسماء ، وبالأسماء على الصفات ، وبالصفات على وجود الذات ، فكان حالهم الترقي والصعود من أسفل إلى أعلى . وأول ما ظهر للمجذوبين حقيقة كمال الذات المقدسة ، ثم ردّوا منها إلى مشاهدة الصفات ، ثم رجعوا إلى التعلق بالأسماء ثم أنزلوا إلى شهود الآثار . فكان حالهم التدلي والتنزل من أعلى إلى أسفل . فما بدأ به السالكون من شهود الآثار إليه انتهاء المجذوبين . وما ابتدأ به المجذوبون من كشف حقيقة الذات إليه انتهاء السالكين . لكن لا بمعنى واحد ؛ فإن مراد السالكين شهود الأشياء للّه . ومراد المجذوبين شهود الأشياء باللّه ، فالسالكون عاملون على طريق الفناء والمحو ، والمجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء والصحو . ولما كان شأن الفريقين النزول في تلك المنازل المذكورة لزم التقاؤهما في طريق سفرهما : السالك مترقّ ، والمجذوب متدلّ » انتهى . الحكمة التاسعة والعشرون « 1 » : « جعلك في العالم المتوسّط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته ، وأنّك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكوّناته » . شرح الحكمة : قبل البدء في شرح الحكمة أوضح بعض ألفاظها ليسهل علينا فهم معناها فأقول : جعلك ( أي اللّه تعالى أيها الإنسان ) في العالم المتوسط ( أي بما أن العوالم كثيرة ، منها ما هو حسي ملكي ، ومنها ما هو غيبي ملكوتي ، بينت الحكمة أن اللّه تعالى جعل الإنسان في العالم المتوسط ) بين ملكه ( أي عالم الشهادة ) وملكوته ( أي عالم المعاني ) ليعلمك ( أي ليخبرك اللّه تعالى ) جلالة قدرك ( أي مكانتك عند اللّه تعالى و ) بين مخلوقاته ، وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكوناته ( أي أنت أيها الإنسان الجوهرة المقصودة مما هو موجود داخل أصداف هذه المخلوقات ) .

--> ( 1 ) ورقمها ( 245 ) في النص الكامل للحكم .